Get Adobe Flash player

 

" إجـــراءات التحكـــيم "

 

ورقة عمل مقدمة للدورة الثالثة لتأهيل المحكمين العرب

التي ينظمها المركز السوري للتحكيم التجاري المحلي والدولي في السّلميّة - حماة

بعنوان ((التحكيم التجاري هو الدعامة الأساسية للاستثمار))

في الفترة من 18 / 3 / 2010 ولغاية 21 / 3/2010

 

 

مقدمــة اعداد المستشار عبد الراضي حجازي 

 

احترام مبدأ سلطان الإرادة في تحديد القانون الواجب التطبيق على الإجراءات:

 

لقد تقرر في قانون التحكيم السوري الصادر في عام 2008 احترام مبدأ سلطان الإرادة حتى في مسألة تحديد القانون الواجب التطبيق على الإجراءات، فقد أعطى هذا القانون الحق لأطراف النزاع في الاتفاق على قانون إجرائي معين ليحكم إجراءات التحكيم ولهم في ذلك مطلق الحرية، فقد يختاروا قانون التحكيم السوري أو أي قانون تحكيم آخر لبلد عربي أو أجنبي. كما يمكن للأطراف التوافق على إحالة هذا الأمر إلى نظام أحد مراكز التحكيم الوطنية أو العربية أو الأجنبية، إذا كان التحكيم مؤسسي )المادة 22 قانون التحكيم) .

 

ولكن لا يشترط توحّد القانون الذي يحكم موضوع النزاع مع القانون الذي يحكم إجراءات التحكيم، فمن الممكن أن يكون قانون موضوع النزاع هو القانون السوري وقانون إجراءات التحكيم نظام أحد مراكز التحكيم الوطنية أو الدولية.

 

ونعتقد بأنه في الدعاوى التحكيمية الوطنية - أي غير الدولية - لابدّ من مراعاة الأحكام الآمرة الواردة في قانون التحكيم السوري لعام 2008 والتي تعتبر من النظام العام، ومن أمثلة ذلك: وجوب تبليغ الأطراف مواعيد جلسات التحكيم قبل وقت كاف ليتسنى لهم الحضور (المادة 23)، وضرورة مراعاة البيانات الواجب ذكرها في بيان الدعوى التحكيمية (المادة 27)، ووجوب احترام إرادة الأطراف في إنهاء النزاع إذا ما طلبوا ذلك (المادة 39)، الخ. إذ يترتب على عدم احترام مثل هذه القواعد جعل حكم التحكيم الذي ستنتهي به خصومة التحكيم عرضة للبطلان لمخالفته النظام العام.

 

سلطة هيئة التحكيم في تحديد القانون الواجب التطبيق على الإجراءات:

 

في الواقع العملي يندر أن يتفق الأطراف على قانون معين يحكم إجراءات التحكيم، وفي حال عدم وجود اتفاق بهذا الشأن يقضي قانون التحكيم بأن تتولى هيئة التحكيم تحديد القانون الواجب التطبيق على إجراءات التحكيم والذي قد يكون قانون بلد معين أو نظام التحكيم لأحد المراكز التحكيمية. وقد أوجب قانون التحكيم على هيئة التحكيم عند اختيارها للقانون الواجب التطبيق على إجراءات التحكيم أن يكون هذا القانون الأنسب لطبيعة النزاع (المادة 22/2).

وبناءً على ذلك يمكن لهيئة التحكيم أن تقرر تطبيق قانون التحكيم السوري أو قانون أصول المحاكمات السوري أو نظام أي مركز سوري للتحكيم، أو أي نظام إجرائي آخر على إجراءات التحكيم، متى رأت في أحدها أنه الأنسب لطبيعة النزاع. مع التنويه إلى أنه في حال اتفق الطرفان على إحالة نزاعهما إلى مركز تحكيم يفقد المحكَّمين حينها حريتهم في اختيار القانون الواجب التطبيق على إجراءات التحكيم، ويتعيّن عليهم في هذه الحالة التقيد بنظام مركز التحكيم المختار من قبل الأطراف.

 

موقع قانون التحكيم السوري بالنسبة لقانون أصول المحاكمات :

 

قانون التحكيم هو قانون إجرائي في معظم أحكامه، فهو جاء ليقرَّ أحكاماً خاصة يتوجب إتباعها أثناء السير بإجراءات التحكيم. ويُعدّ قانون أصول المحاكمات الخاص بالدعاوى القضائية المدنية والتجارية قانوناً عاماً بالنسبة لقانون التحكيم لأنه يتوجب الرجوع إلى أحكامه في حال عدم وجود نص خاص في قانون التحكيم.

 

وإن أهم ما يميز إجراءات الدعوى التحكيمية عن إجراءات الدعوى القضائية هو سيادة مبدأ سلطان الإرادة، فهذا المبدأ يسمو على معظم أحكام قانون التحكيم. وسنرى لاحقاً بأنه في كل مسألة إجرائية يتوجب الرجوع أولاً إلى اتفاق أطراف التحكيم، وفي حال عدم وجود اتفاق وجب تطبيق أحكام قانون التحكيم، وإن خلا قانون التحكيم عدنا إلى قواعد أصول المحاكمات المدنية.

 

ولاشك أن موضوع إجراءات التحكيم موضوع كبير ويحتوي على الكثير من الجزئيات، سنحاول تغطيتها ضمن المحاور الأربعة التالية :

 

المبحث الأول : مدة ومكان ولغة التحكيم

المبحث الثاني : بدء خصومة التحكيم

المبحث الثالث :سير خصومة التحكيم

المبحث الرابع : ضمانات التقاضي وانتهاء خصومة التحكيم

 

 

 

المبحث الأول : مدة ومكان ولغة التحكيم

 

 

 

أولاً - مدّة التحكيم

 

 

يعاني القضاء العادي من بطءٍ شديد في الإجراءات، ولعلّ أهم سبب في ذلك أن المحاكم ليست مقيدة بمدة محددة لفصل النزاعات التي تعرض أمامها.

 

أما القضاء التحكيمي فيضمن للمتخاصمين السرعة في الإجراءات لأن هناك دائماً مدة محددة لحسم النزاعات يتم تعينها إما اتفاقاً أو قانوناً، وإذا لم تكفي هذه المدة فهناك إمكانية لتقرير مدة إضافية وبما يتناسب مع ظروف كل نزاع، ولكن إذا انتهت مدد التحكيم الأصلية والإضافية دون صدور حكم تحكيمي فاصل للنزاع فسيكون من المنطق أن يعود اختصاص النظر فيه إلى القضاء العادي.

 

أ – مدة التحكيم الأصلية

 

تحديد مدّة التحكيم باتفاق الأطراف : في الأصل إن تحديد مدّة التحكيم يخضع لاتفاق الأطراف، فهم الأجدر بتقدير ظروف تعاملاتهم وطبيعة المنازعات التي يمكن أن تنشأ بشأنها، وبالتالي تعيين المدّة المناسبة لإنهاء نزاعاتهم. وفي الواقع يمكن أن يتفق الأطراف على تحديد مدّة التحكيم بعدة سنوات أو عدة أشهر أو حتى عدة أيام، كما لو كان موضوع النزاع اسم موقع الكتروني . فإذا وجدت مدة تحكيم اتفاقية كانت هذه المدة ملزمة لهيئة التحكيم، وهذا يعني أنه يتوجب عليها إنهاء النزاع وإصدار حكمها ضمن تلك المدة، وإلا عاد الاختصاص إلى المحكمة المختصة أصلاً للنظر في النزاع خاصةً إذا اتفق الأطراف على عدم جواز تمديد المدة من قبل أي هيئة كانت.

 

تحديد مدّة التحكيم بنص القانون: في حال عدم الاتفاق على مدة التحكيم حددها القانون بـ (180) يوماً تبدأ من تاريخ انعقاد أول جلسة لهيئة التحكيم (المادة 37/1 قانون التحكيم)، ويجب خلالها إصدار حكم التحكيم. وبناءاً على ذلك فإن مجموعة الإجراءات التي يتوجب إتباعها قبل انعقاد أول جلسة لهيئة التحكيم لا تدخل في حساب مدة التحكيم ، ومن ذلك توجيه طلب التحكيم من المدعي إلى المدعى عليه، وطلب تعيين المحكَّمين الذي يقدم إلى محكمة الاستئناف، وبيان الدعوى التحكيمية الذي يجب تبليغه إلى الخصم وإلى كل عضو من أعضاء هيئة التحكيم، والوقت الذي قد تستغرقه الهيئة لتحديد مكان وزمان أول اجتماع لها لانعقاد الخصومة التحكيمية، فجميع هذه الإجراءات لم يحدد لها سقف زمني.

 

ولاشك أنه من شأن ذلك إطالة أمد إجراءات الدعاوى التحكيمية، لذلك نعتقد بأنه بإمكان الأطراف الاتفاق على تاريخ آخر لسريان مدة التحكيم القانونية أو الاتفاقية، كأن يتم الاتفاق على سريان مدة التحكيم من تاريخ تبليغ طلب التحكيم إلى المدعى عليه أو من تاريخ تبليغه باختيار محكَّمه، إذ من شأن ذلك مثلاً تجنب استنفاد مدة الثلاثين يوماً المقررة للمدعى عليه لتعيين محكَّمه.

 

ب – مدة التحكيم الإضافية

 

تمديد أجل التحكيم باتفاق الأطراف أو من قبل هيئة التحكيم : في بعض الأحيان يكون النزاع شائكاً ويحتاج وقتاً أطول مما حُدّد له اتفاقاً أو قانوناً، فإذا ما انتهى أجل التحكيم الاتفاقي أو القانوني ولم يكن هذا الأجل كافياً لصدور حكم التحكيم، كان من حق الأطراف تمديد أجل التحكيم بالاتفاق ولأية مدة يرتضونها. ولكن في حال عدم الاتفاق أجاز القانون لهيئة التحكيم مدّ أجل التحكيم لمدة لا تزيد على (90) يوماً ولمرة واحدة (المادة 37/2 قانون التحكيم).

ومن الواضح هنا أن سلطة هيئة التحكيم جوازية، بمعنى أن لها وحدها أن تُقرر مدّ أجل التحكيم لمدة مناسبة وبما لا يتجاوز المدة المذكورة أنفاً، أو ترفض التمديد وحينها يكون للخصوم الخيار بين استئناف قرار رفض التمديد أمام محكمة الاستئناف باعتباره قراراً إعدادياً أو طلب مدّ أجل التحكيم من المحكمة ذاتها، كما سنرى لاحقاً.

 

تمديد أجل التحكيم بقرار يصدر عن محكمة الاستئناف : إذا لم تتمكن هيئة التحكيم من إصدار حكم التحكيم خلال المدّة الإضافية كان من حق كل طرف أن يطلب من محكمة الاستئناف خلال مدة (10) أيام من انتهاء المدّة الإضافية مدّ أجل التحكيم لمدّة إضافية ثانية لا تتجاوز (90) يوماً ولمرة واحدة ، وبهذا الخصوص تملك المحكمة سلطة تقديرية في إجابة الطلب أو رفضه (المادة 37/3 قانون التحكيم)، فإذا أجابت الطلب استمرت هيئة التحكيم بالنظر في النزاع، وإذا رفضت الطلب اضطرّ الأطراف لمراجعة المحكمة المختصة أصلاً للنظر بالنزاع، وفي كلتا الحالتين يصدر قرار المحكمة في غرفة المذاكرة بعد دعوة الخصوم، ويكون قرارها مبرماً.

 

ج – انتهاء أجل التحكيم

 

وجوب إصدار حكم التحكيم خلال مدة معقولة : نشير هنا إلى أن مدد التحكيم الاتفاقية أو القانونية والأصلية أو الإضافية ما هي إلا مدد قصوى يجب أن تنتهي خلالها عملية التحكيم، ولذلك يتوجب على هيئة التحكيم أن تنفذ مهمتها في حلّ النزاع وإصدار حكم التحكيم خلال مدة معقولة لا تتجاوز مدة التحكيم. إذ لا يجوز لهيئة التحكيم أن تنتظر حتى آخر يوم من مدة التحكيم لتنهي مهمتها، وهذا يتوافق حقيقةً مع الرغبة المشتركة لأطراف التحكيم في وضع حدّ لنزاعهم في أسرع وقت مكن.

وينتج عن ذلك أنه يحق للأطراف مساءلة هيئة التحكيم ومطالبتها بالتعويض ليس فقط عند انقضاء آجال التحكيم دون إصدار حكم التحكيم (المادة 37/5 قانون التحكيم)، وإنما أيضاً إذا تأخرت الهيئة في فصل النزاع وتجاوزت المدّة المعقولة دون عذر مقبول. وبرأينا يعود أمر تحديد المدة المعقولة إلى القضاء، الذي له أن يستعين بالخبرة لتحديدها بشكل أكثر موضوعية، كأن يستعين مثلاً بمحكّم ذي خبرة طويلة في التحكيم في نفس النوع من القضايا ليتقرر بعد ذلك مساءلة هيئة التحكيم عن التأخير في فض النزاع من عدمه.

عودة الاختصاص للنظر في النزاع إلى القضاء العادي : إذا لم تتمكن هيئة التحكيم من إصدار حكمها خلال المدة الأصلية والمدد الإضافية، اعتبرت إجراءات التحكيم منتهية دون صدور حكم تحكيمي، الأمر الذي يعيد إلى كل طرف من أطراف الخصومة حق اللجوء إلى المحكمة المختصة أصلاً بالنزاع لإقامة دعوى مبتدئة والمطالبة بحقه.

 

ونقصد بالمحكمة المختصة محكمة أول درجة أو محكمة البداية ولا يمكن أن تكون محكمة الاستئناف، لأنه لم يصدر في القضية أي حكم تحكيمي. إذ يبدو واضحاً من نصوص قانون التحكيم الجديد لعام 2008 أنه اعتبر هيئة التحكيم بمثابة محكمة درجة أولى وحكم التحكيم الذي يصدر عن الهيئة بمثابة حكم صادر عن محكمة أول درجة. ولذلك جعل القانون محكمة الاستئناف – بدلاً من محكمة البداية في نصوص التحكيم القديمة – هي المحكمة المؤازرة لهيئة التحكيم لإزالة أية مصاعب قانونية تعترضها، كما جعل محكمة الاستئناف هي المختصة للنظر في دعوى البطلان التي قد تُرفع ضد حكم التحكيم.

 

ثانياً – مكان التحكيم

 

يتمتع مكان التحكيم بأهمية كبيرة لناحية إجراءات التحكيم وصدور الحكم، فلهذا المكان أهميته في تحديد المحكمة التي سيتم اللجوء إليها لاتخاذ التدابير التحفظية، وتقرير وسائل الإثبات المقبولة (وجوب الإثبات بالكتابة مثلاً أم يُتكفى بالبينة الشخصية)، ومعرفة طرق وإجراءات الطعن بالأحكام الوقتية أو بالحكم النهائي الذي ستصدره الهيئة. وسنبين فيما يلي كيفية تحديد مكان التحكيم في التحكيم التقليدي وفي التحكيم الالكتروني على اعتبار أن هذا الأخير يطرح إشكالية حقيقية بهذا الخصوص كونه يتم في بيئة افتراضية.

 

أ – مكان التحكيم في التحكيم التقليدي

 

تحديد مكان التحكيم باتفاق الأطراف أو باختيار هيئة التحكيم : طبقاً لأحكام المادة 23 من قانون التحكيم يخضع تحديد مكان التحكيم أيضاً لاتفاق أطراف النزاع، فلهم أن يتفقوا على أن يكون في أي مكان في سورية أو خارجها. ولكن في حال عدم الاتفاق يُصبح ذلك الأمر من اختصاص هيئة التحكيم، والتي يتوجب عليها عند اختيارها مكان التحكيم أن تراعي ظروف النزاع وملائمة المكان لظروف الأطراف المادية، وهذا يعني أنه يمكن لهيئة التحكيم أن تختار أي مكان للتحكيم بشرط ألا يكون هذا المكان ذو تكاليف عالية لا تتناسب مع قيمة النزاع ومقدرة الخصوم.

 

جواز انتقال هيئة التحكيم إلى أي مكان آخر : سواء تمّ اختيار مكان التحكيم باتفاق الأطراف أو بواسطة هيئة التحكيم فإن هذا لا يمنع المحكَّمين من الانتقال إلى أي مكان آخر من أجل القيام بأحد إجراءات التحكيم، كمعاينة بضاعة أو تدقيق مستندات أو سماع شهود أو خبير. ولكن يشترط في هذه الحالة أن تقوم الهيئة بتبليغ الأطراف المكان المراد الاجتماع فيه وموعده قبل وقت كاف ليتسنى لهم الحضور. وفي جميع الأحوال لا يجوز أن يصدر حكم التحكيم إلا في مكان التحكيم الذي تمّ تحديده باتفاق الأطراف أو بقرار من هيئة التحكيم.

 

ب - مكان التحكيم في التحكيم الالكتروني

 

التحكيم الالكتروني لا يتمّ في بقعة جغرافية معينة وإنما في بيئة افتراضية : يغلب في التحكيم الالكتروني عدم وجود مكان واضح ومحدد للتحكيم، لأن كل واحد من أطرافه محكّمين أم محتكمين يكون مقيماً في مكان مختلف عن الآخرين، وتتمّ عملية التحكيم الالكتروني بمجملها في بيئة افتراضية عبر الإميلات (E-mails) والفديو كونفرنس (Video-conference). فطبيعة هذا التحكيم لا تجعل الأطراف مطّرين إلى الانتقال والسفر للاجتماع بالمحكّمين في بقعة جغرافية معينة، بل يمكن السير في عملية التحكيم من بدايتها إلى نهايتها دون الحاجة إلى الالتقاء المادي بين الأطراف وهيئة التحكيم.

 

مع ذلك يبقى ضرورياً تحديد مكان التحكيم حتى الذي يجري بشكل الالكتروني لأن معظم تشريعات التحكيم الوطنية والدولية تبني الكثير من أحكامها بالاستناد إلى مكان التحكيم، فكيف يمكن تحديد مكان التحكيم في التحكيم الالكتروني ؟

إمكانية تحديد مكان التحكيم في التحكيم الالكتروني : لطالما أنه من الضروري تحديد مكان للتحكيم الالكتروني على الرغم من أنه في الواقع يتم في بيئة افتراضية فإن هناك دائماً إمكانية لفعل ذلك. فمن ناحية نجد أن معظم قوانين التحكيم تسمح لأطراف النزاع الاتفاق على تحديد مكان للتحكيم، وبالتالي ننصح كل من يرغب بالتحكيم الالكتروني الاتفاق مع خصمه لتحديد مكان التحكيم. ومن ناحية أخرى نلاحظ بأن التحكيم الالكتروني يتمّ غالباً عبر مؤسسات تحكيمية، لذلك يعتبر اتفاق الأطراف على إجراء التحكيم لدى مركز تحكيم معين بمثابة اتفاق ضمني على أن مقرّ ذاك المركز هو مكان التحكيم. كما أن هناك إمكانية لتحديد مكان التحكيم في التحكيم المؤسسي بالاستناد إلى نظام التحكيم التي تعمل بموجبه مؤسسة التحكيم المختارة من قبل الأطراف.

 

سلطة هيئة التحكيم في تحديد مكان التحكيم في التحكيم الالكتروني : في حال تعسّر تحديد مكان التحكيم وفقاً للقواعد السابق ذكرها يمكن الرجوع إلى أحكام المادة 23 من قانون التحكيم لعام 2008، والتي تمنح سلطة تعيين مكان التحكيم لهيئة التحكيم في حال عدم اتفاق الأطراف على ذلك، ولكن بشرط أن تراعي في قرارها ظروف الدعوى وملائمة المكان لأطراف النزاع، وهذا يعني أن هيئة التحكيم ملزمة قانوناً بتعيين مكان التحكيم إذا لم يتفق الأطراف عليه.

 

وفي جميع الأحوال نرى بأن مكان التحكيم ما هو إلا مفهوماً قانونياً بحتاً يعتمد على إرادة الأطراف بالدرجة الأولى، والحكمة من التأكيد على تحديد مكان التحكيم في التحكيم التقليدي والالكتروني هو تحديد النظام القانوني الذي سيطبق على إجراءات التحكيم، ولذلك ليس بالضرورة أن يتطابق مكان التحكيم مع المكان الحقيقي الذي تتم فيه إجراءات التحكيم، أو الذي يصدر فيه الحكم .

 

ثالثاً – لغة التحكيم

 

لا تطرح لغة التحكيم أية مشكلة عندما يكون النزاع وطنياً وطرفاه من جنسية واحدة، فهذه المشكلة تطرح نفسها بشكل خاص في التحاكيم التجارية الدولية، فكيف يتم تحديد لغة التحكيم ؟ وإلى أي مدى يتوجب التقيد بهذه اللغة في إجراءات التحكيم ؟

 

التفضيل القانوني للغة العربية : يقضي قانون التحكيم بأن تكون لغة التحكيم هي اللغة العربية ما لم يتفق الطرفان على غير ذلك، أو تقرر هيئة التحكيم تحديد لغة أو لغات أخرى (المادة 24/1 قانون التحكيم). ويتضح من هذا الحكم بأن القانون فضّل اللغة العربية على اللغات الأخرى، وجعلها اللغة الأصل التي يجب أن يتم بها التحكيم سواء كان وطنياً أم دولياً، وسواء أكان يحتوي على طرف سوري أم لا، وذلك متى كان هذا التحكيم خاضعاً لقانون التحكيم السوري.

 

مع ذلك فإن قاعدة أن يتمّ التحكيم في الأصل باللغة العربية ليست من النظام العام فكما ذكرنا يمكن لأطراف النزاع الاتفاق على أن يتمّ التحكيم بأية لغة أخرى، كما أن هيئة التحكيم تملك سلطة تحديد اللغة أو اللغات التي ستتم بها إجراءات التحكيم ويصدر بها حكم التحكيم ما لم يتفق الأطراف على لغة معينة.

 

وجوب التقيد بلغة التحكيم المحددة : فبمجرد تحديد لغة التحكيم يتوجب التقيد بها في جميع الوثائق والمذكرات المكتوبة والمرافعات الشفهية وفي كل قرار تتخذه هيئة التحكيم أو رسالة توجهها أو حكم تصدره، ما لم ينص اتفاق الطرفين أو قرار هيئة التحكيم على غير ذلك (المادة 24/1 قانون التحكيم).

 

وإذا قُدّم إلى هيئة التحكيم وثائق أصلية أو غير أصلية مكتوبة بلغة غير لغة التحكيم فإن لها أن تطلب إرفاق ترجمة محلفة عنها إلى اللغة أو اللغات المستخدمة في التحكيم، وفي حال تعدد هذه اللغات يجوز لها قصر الترجمة على بعضها أو على واحدة منها (المادة 24/2 قانون التحكيم).

 

وننوه أخيراً إلى أنه لا يشترط أن تكون لغة التحكيم هي نفسها لغة اتفاق التحكيم أو العقد الأصلي أو القانون المتفق تطبيقه على إجراءات أو موضوع النزاع، مع ذلك يُنصح بأن يكون هناك توافق بين لغة التحكيم والقانون الواجب التطبيق حتى لا يكون هناك تباعد بين اللغة والمفاهيم القانونية للقانون الواجب التطبيق.

 

 

يتبع في المشاركة التالية ....

ماينا

18-03-11, 02:35 PM

المبحث الثاني : بدء خصومة التحكيم

 

بحسب ما جاء في نصوص قانون التحكيم السوري لعام 2008، فإن إجراءات التحكيم يجب أن تبدأ بإرسال المدعي طلب التحكيم إلى المدعى عليه، وإذا لم يبادر المدعى عليه إلى تنفيذ التزاماته التي تخلف عنها بعد تبلغه طلب التحكيم عندها يضطر المدعي إلى إعداد بيان بالدعوى التحكيمية وتسير إجراءات الدعوى وفق أحكام قانون الإجراءات الواجب التطبيق، ولذلك سنعرض في هذا المبحث طلب التحكيم وبيان الدعوى التحكيمية إضافة إلى طرق التبليغ المتبعة في التحكيم.

 

أولاً – طلب التحكيم

 

تمييز طلب التحكيم عن بيان الدعوى التحكيمية : لم يتم ذكر طلب التحكيم إلا في مادة وحيدة من قانون التحكيم وهي المادة 26، وطلب التحكيم الذي قصده القانون يختلف عن بيان الدعوى، إذ لا يشترط فيه أي شكل معين ولا يتطلب احتواءه على أية معلومات أو بيانات محددة.

 

فطلب التحكيم من وجهة نظرنا هو مجرد إعلان يُعبر فيه أحد طرفي النزاع عن رغبته في استعمال شرط أو مشارطة التحكيم، وهو بهذا المعنى يُعدّ بمثابة إخطار باللجوء إلى التحكيم لفض الخلاف مع خصمه، إذا لم يبادر هذا الأخير إلى تنفيذ التزاماته التي تخلف عن أدائها.

 

فإذا كانت ردة فعل هذا الخصم إيجابية عند تبلغه طلب التحكيم وسارع إلى تنفيذ التزاماته المترتبة عليه انعدمت الحاجة إلى التحكيم، أما إذا كانت ردة فعله سلبية اضطرّ مرسل الطلب إلى إعداد بيان بدعوى تحكيمية ضد خصمه وفق الشكليات التي حددها قانون التحكيم في المادة 27 منه، وسنرى لاحقاً بأن هذا البيان يشبه إلى حد كبير استدعاء الدعوى العادية الذي تحدث عنه قانون أصول المحاكمات (المادة 94 وما بعدها).

 

بدء إجراءات التحكيم يكون من اليوم التالي الذي يتسلم فيه المدعى عليه طلب التحكيم من المدعي : بخصوص إعلان بدء إجراءات المحاكمة أمام القضاء العادي يُركّز قانون أصول المحاكمات المدنية على تاريخ تسجيل استدعاء الدعوى لدى ديوان المحكمة التي ترفع الدعوى أمامها، وبالنسبة إلى هذا القانون تنعقد الخصومة القضائية حتماً من يوم تسجيل استدعاء الدعوى.

 

أما قانون التحكيم فقد نص على بدأ إجراءات التحكيم من اليوم التالي الذي يتسلم فيه المدعى عليه طلب التحكيم من المدعي ما لم يتفق أطراف التحكيم على تاريخ آخر لبدء إجراءات التحكيم (المادة 26 قانون التحكيم).

 

وننوه هنا إلى أن نص المادة المذكورة يبدو غريباً لجهة أنه نص على بدء إجراءات التحكيم من اليوم التالي لتبليغ المدعى عليه طلب التحكيم بدلاً من النص على بدئها من نفس اليوم الذي يتمّ به التبليغ، وهو بذلك خالف نص قانون الأونسيترال النموذجي للتحكيم ، وسائر القوانين الأخرى التي استمدّت أحكامها من هذا القانون .

 

ثانياً - بيان دعوى التحكيم

 

مضمون بيان التحكيم : أوجب قانون التحكيم في المادة 27/2 منه على المدعي الملتزم باتفاق تحكيم إعداد بيان مكتوب بدعواه يشبه من حيث المضمون استدعاء الدعوى العادية التي ترفع أمام القضاء العادي ، فقد ورد في الفقرة الثانية من المادة نفسها على وجوب أن يشتمل بيان دعوى التحكيم على المعلومات التالية:

 

‌أ) اسم وعنوان المدعي. ‏

 

‌ب) اسم وعنوان المدعى عليه. ‏

 

‌ج) شرح وافٍ لوقائع الدعوى مع تحديد المسائل محل النزاع والطلبات وغير ذلك. ‏

 

وجوب إرسال نسخة عن بيان الدعوى إلى المدعى عليه وإلى هيئة التحكيم : بعد إعداد بيان دعوى التحكيم يتوجب على المدعي إرسال نسخة عن هذا البيان إلى المدعى عليه، ونسخة أخرى إلى هيئة التحكيم خلال الميعاد المتفق عليه في اتفاق التحكيم، أو ذلك الذي تعينه هيئة التحكيم (المادة 27/1 قانون التحكيم). وهذا يعني أنه يجب أن يسبق إعداد بيان التحكيم تبليغ طلب التحكيم إلى المدعى عليه والانتهاء من عملية تشكيل هيئة التحكيم، سواء أتمّ تشكيلها باتفاق الأطراف أم بتدخل من محكمة الاستئناف. وإذا تمّ تشكيل هيئة التحكيم ولم يقمْ المدعي بإعداد بيان الدعوى وتبليغه إلى الهيئة وإلى المدعى عليه جاز لهيئة التحكيم وقف إجراءات التحكيم، ما لم يبدِ المدعي عذراً مقبولاً لتخلفه عن ذلك أو يتفق الأطراف على متابعة إجراءات التحكيم (المادة 27/3 قانون التحكيم).

 

وجوب تقديم ردّ مكتوب على بيان الدعوى من قبل المدعى عليه : بعد تبلغ المدعى عليه بيان الدعوى يتوجب عليه أن يقدم لهيئة التحكيم دفاعاً مكتوباً، وأن يسلّم نسخة منه إلى المدعي خلال الميعاد المتفق عليه بين الطرفين أو الذي تعينه هيئة التحكيم. ويحق للمدعى عليه أن يُضمِّن ردّه أية طلبات عارضة متصلة بموضوع النزاع، أو أن يتمسك بحق ناشئ عنه بقصد الدفع بالمقاصة، وله ذلك أيضاً في مرحلة لاحقة من الإجراءات إذا رأت هيئة التحكيم أن الظروف تسوّغ التأخير (المادة 28 قانون التحكيم).

 

ثالثاً – طرق التبليغ في التحكيم

 

جواز اتفاق الأطراف على تعيين طريقة محددة للتبليغ في التحكيم : يُجيز قانون التحكيم في المادة 4 منه لأطراف النزاع الاتفاق على طريقة معينة يتمّ وفقها تبليغ طلب التحكيم وسائر المواعيد والرسائل والإشعارات، فلهم أن يتفقوا على أن يتم التبليغ بالهاتف أو الفاكس أو الإميل (E-mail)، مع أن التبليغ الشائع حالياً في عمليات التحكيم هو استخدام الهاتف الجوال.

 

فإذا وُجد اتفاق على طريقة معينة للتبليغ وجب العمل بموجبه، ولكن في حال عدم وجود اتفاق فيتم تبليغ أي رسالة أو إشعار للمرسل إليه إما شخصياً، أو إلى مقر عمله أو محل إقامته المعتاد أو عنوانه البريدي المعروف أو المحدد في اتفاق التحكيم أو العقد، وذلك عن طريق دائرة المحضرين في المنطقة الاستئنافية للمحكمة المختصة.

 

وإذا تعذّر معرفة العناوين السابقة، يجري تبليغ المخاطب بكتاب مسجل إلى آخر مقر عمل أو محل إقامة معتاد أو عنوان بريدي معروف له. ويُعتبر التبليغ حاصلاً بدءاً من اليوم الذي يلي تاريخ وقوعه.

 

قَصْر طرق التبليغ الخاصة بالتحكيم على الدعوى التحكيمية : تُعدّ الأحكام السابقة الذكر والمتعلقة بالدعوى التحكيمية خاصة بإجراءات التحكيم من بدايتها إلى نهايتها، فهي لا تسري على الدعاوى القضائية التي يمكن أن تُرفع بصدد عملية التحكيم مثل دعوى تعيين محكّم أو ردّه ودعوى البطلان وغيرها ، لأنه يتوجب حينها إتباع قواعد التبليغ المنصوص عنها في قانون أصول المحاكمات المدنية، وذلك لضمان حقوق المتقاضين.

 

 

 

المبحث الثالث : سير خصومة التحكيم

 

خلال سير خصومة التحكيم تلجأ هيئة التحكيم لإصدار قرارات إعدادية شأنها في ذلك شأن المحاكم العادية، وقد تضطر لتقرير وقف الخصومة أو انقطاعها، فما هي القواعد التي تحكم هذه المسائل.

 

أولاً - القرارات الإعدادية

 

سلطة هيئة التحكيم في اتخاذ القرارات الإعدادية : تملك هيئة التحكيم إصدار قرارات إعدادية كثيرة، كتلك المتعلقة بتعيين القانون الواجب التطبيق على إجراءات التحكيم أو موضوع النزاع، وبتحديد مدة ومكان ولغة التحكيم الخ.

 

وقد منح قانون التحكيم هيئة التحكيم هذه السلطة في صريح نصوصه (المادة 38/5 قانون التحكيم)، ولكنها لا تستطيع ممارسة هذه السلطة إلا في حال غياب الاتفاق على ذلك من قبل أطراف النزاع.

 

بينما نلاحظ أن المحاكم العادية تمتلك سلطة اتخاذ قرارات إعدادية شبيهة بالقرارات المذكورة إلى حد ما، ولكنها لا تتقيد عادةً باتفاق الأطراف.

 

قابلية القرارات الإعدادية للطعن : إذا أصدرت هيئة التحكيم قراراً إعدادياً أو وقتياً قبل إصدار الحكم النهائي الفاصل لموضوع النزاع، فإن هذا القرار يعامل من حيث قابليته للطعن فيه معاملة حكم التحكيم النهائي. بمعنى آخر تصدر القرارات الإعدادية عن هيئة التحكيم غير قابلة للطعن إلا عن طريق دعوى البطلان، وسلوك هذا الطريق من طرق الطعن ضد قرار تحكيمي إعدادي يوقف تنفيذ هذا القرار، ولكنه لا يمنع هيئة التحكيم من متابعة إجراءات التحكيم وإصدار حكم التحكيم المنهي للنزاع .

 

ثانياً – وقف خصومة التحكيم

 

الخيارات التي تملكها هيئة التحكيم في إثارة مسائل عارضة: قد تعترض إجراءات التحكيم مسائل تخرج عن ولاية هيئة التحكيم، كالطعن في تزوير مستند قُدّم لها، فما الذي يتوجب على هيئة التحكيم فعله في هذه الحالات ؟

في الحقيقة هنا يتوجب على هيئة التحكيم أن تختار بين أحد حلّين، فلها أن تستمرّ في نظر النزاع إذا تبين لها أن الفصل في المسألة العارضة ليس لازماً للفصل في موضوع النزاع، أو تُقرر وقف إجراءات التحكيم إلى حين البت في المسألة العارضة بحكم نهائي إذا كان الفصل في النزاع يتوقف على البت في تلك المسألة.

 

حالات وقف خصومة التحكيم: تماماً كما هو الحال في الدعاوى المنظورة أمام القضاء العادي يمكن وقف الخصومة في الدعاوى التحكيمية باتفاق الأطراف وللمدة التي يرتضونها (المادة 163 قانون أصول المحاكمات)، ويمكن أيضاً وقف الخصومة بقرار يصدر عن هيئة التحكيم كلما عرضت عليها مسألة تخرج عن اختصاصها وكان الفصل في النزاع يتوقف على البت بهذه المسألة، كما رأينا سابقاً.

 

كما يمكن أن تتوقف إجراءات التحكيم إذا حصل عارض ما للمحكَّم، كما لو أصابه أحد عوارض الأهلية أو وقع في المرض أو توفي، أو صدر قرار قضائي بردّه، أو انتهى أجل التحكيم الاتفاقي أو القضائي ومازال هناك إمكانية لتمديد أجل التحكيم. وفي جميع الأحوال بمجرد زوال سبب الوقف يتوجب على هيئة التحكيم استئناف إجراءات التحكيم من النقطة التي وصلت إليها (المادة 40 قانون التحكيم).

 

 

ثالثاً – انقطاع خصومة التحكيم

 

خضوع انقطاع خصومة التحكيم للأحكام العامة : لقد أحال قانون التحكيم موضوع انقطاع الخصومة بكامله إلى قانون أصول المحاكمات باعتباره قانوناً عاماً بالنسبة لقانون التحكيم، فنص صراحةً في المادة 35: "ينقطع سير الخصومة أمام هيئة التحكيم في الأحوال ووفقاً للشروط المقررة لذلك في قانون أصول المحاكمات، ويترتب على انقطاعها الآثار المقررة في القانون المذكور".

 

ولذلك نقول بأن انقطاع الخصومة في الدعوى التحكيمية يقع لذات الأسباب التي تنقطع فيها الخصومة في الدعوى العادية.

وإذا عُدنا إلى أحكام المواد 165 وما بعدها من قانون أصول المحاكمات فإنه يمكن حصر أسباب انقطاع خصومة التحكيم كما يلي :

 

‌أ) وفاة أحد أطراف النزاع أو فقده أهلية الخصومة.

 

‌ب) وفاة أحد المحكَّمين أو فقده أهليته التحكيم.

 

‌ج) تقديم أحد أطراف النزاع طلب ردّ أحد المحكمين.

 

‌د) عزل واحد أو أكثر من المحكَّمين بموافقة جميع الأطراف.

 

آثار انقطاع خصومة التحكيم : يترتب على انقطاع خصومة التحكيم وقف جميع الإجراءات عند النقطة التي وصلت إليها، وبناءاً على ذلك يقع باطلاً كل إجراء يُتّخذ أثناء انقطاع الخصومة. وبعد زوال سبب انقطاع الخصومة تستأنف إجراءات الدعوى التحكيمية بناءاً على طلب أحد أطراف النزاع ومن النقطة التي توقفت فيها. ولكن إذا أدى انقطاع الخصومة إلى تبدّل أحد المحكَّمين فإن استئناف عملية التحكيم يستوجب البدء مجدداً بالإجراءات التحكيمية والانطلاق بها من نقطة الصفر.

 

مع العلم أنه إذا تحقق أحد أسباب انقطاع الخصومة وكانت الدعوى مهيأة للحكم في موضوعها، بمعنى أن الأطراف تقدموا بكل دفوعهم وطلباتهم الختامية فيجوز لهيئة التحكيم إصدار حكمها النهائي متى كان ذلك ممكناً (المادة 166 قانون أصول المحاكمات).

 

 

 

المبحث الرابع : ضمانات التقاضي وانتهاء خصومة التحكيم

 

قبل الحديث عن انتهاء خصومة التحكيم قد يكون من المفيد التأكيد على وجوب مراعاة ضمانات التقاضي في الدعوى التحكيمية وأثناء السير في إجراءاتها، وخاصة أن هذه الضمانات من متعلقات النظام العام وخرقها يجعل حكم التحكيم الذي سيصدر في نهاية الإجراءات عرضة للبطلان.

 

أولاً – ضمانات التقاضي في التحكيم

 

عدم جواز الاتفاق على خرق ضمانات التقاضي الأساسية : يسعى التحكيم في الغالب إلى تطبيق القانون شأنه في ذلك شأن القضاء العادي، وإذا كان الهدف من التحكيم تجنب إجراءات التقاضي العادية والطويلة، فإن ذلك لا يعني بأية حال من الأحوال عدم مراعاة المحكَّمين لضمانات التقاضي الأساسية المقررة للمتخاصمين في الخصومة القضائية.

 

فهيئة التحكيم تلتزم بمراعاة ضمانات التقاضي الأساسية، وبصفة خاصة حق الدفاع ومبدأ المواجهة بين الخصوم...

 

مبدأ الوجاهية واحترام حق الدفاع: يتوجب على هيئة التحكيم احترام مبدأ الوجاهية والذي يقضي بوجوب القيام بجميع الإجراءات التحكيمية بحضور الطرفين، إلا إذا تخلف أحد الأطراف عن الحضور إرادياً رغم تبليغه مكان وموعد جلسة التحكيم بالطرق المقبولة قانوناً.

 

كما يتوجب على هيئة التحكيم أيضاً احترام حق الدفاع بالنسبة لجميع أطراف النزاع، بمعنى الاستماع إلى أقوالهم ومنح كل طرف الفرصة لتقديم دفوعه ومستنداته ومناقشة دفوع ومستندات خصمه. ولا يمكن للأطراف ولا في أي حال من الأحوال الاتفاق على خلاف ما يقضي به مبدأ الوجاهية واحترام حق الدفاع بإرادتهم لأن ذلك من النظام العام.

 

ثانياً – انتهاء خصومة التحكيم

 

حالات انتهاء خصومة التحكيم : تعتبر إجراءات التحكيم منتهية حكماً في إحدى الحالات التالية:

 

 

‌أ) انقضاء آجال التحكيم الاتفاقية وغير الاتفاقية دون صدور حكم منهي للنزاع.

 

‌ب) عزل أحد المحكَّمين أو وفاته أو فقدانه أهلية التحكيم.

 

‌ج) وقوع مصالحة ودية بين أطراف النزاع.

 

‌د) صدور حكم منهي للخصومة.

 

صك المصالحة وقابليته للتنفيذ جبراً : قد تتمّ المصالحة بين أطراف النزاع خلال عملية التحكيم وقبل صدور الحكم الفاصل في الموضوع، وهي تعني الاتفاق بين الأطراف على فضّ النزاع ودياً. ولاشك أنه بمجرد وقوع المصالحة بين الأطراف المتنازعة تعتبر عملية التحكيم بحكم المنتهية وتتوقف جميع الإجراءات، ولا يعود هناك أي داعي لمتابعة السير في الدعوى وإصدار حكم تحكيمي.

 

ويتم عادةً تنظيم صك المصالحة كتابةً ويجري تنفيذ بنوده ودياً، وإذا امتنع أحد الأطراف عن تنفيذ ما التزم به في صك المصالحة، فلابدّ حينها من مراجعة القضاء العادي والتماس المحكمة المختصة أصلاً للنظر في النزاع.

 

ولتجنب ذلك يمكن للأطراف أن يتفقوا على أن تكون مصالحتهم مدرجة ضمن حكم تحكيمي قابلاً للتنفيذ جبراً بعد إكسائه صيغة التنفيذ، ويكون ذلك ضرورياً حتى إذا ما أنكر أحد الأطراف وقوع المصالحة مع خصمه أمكن إجباره على تنفيذ بنود المصالحة التي جرت بينهما، ودون الحاجة إلى رفع دعوى مبتدئة والعودة إلى نقطة الصفر.

مرسلة بواسطة خليل داودي في 6:27 م ليست هناك تعليقات:

إرسال بالبريد الإلكترونيكتابة مدونة حول هذه المشاركةالمشاركة في Twitterالمشاركة في Facebook

29‏/01‏/2012

 

إذا كان للحكم معني اصطلاحي موحد وهو " المنطوق الواجب تنفيذ ما أمر به "  وإذا كان التحكيم قضاء خاص أو استثنائي ، لأن الأصل أن المحاكم لها ولاية الفصل في المنازعات باعتبارها الجهاز الذي يباشر السلطة القضائية للدولة .

      لذلك نعرض بإيجاز مناسب لمفهوم حكم التحكيم الأجنبي من خلال تقسيمه إلى فرعين  نخصص الفرع الأول للتعريف بحكم التحكيم ونخصص الفرع الثاني للصفة الأجنبية لحكم التحكيم  .

الفرع الأول

التعريف بحكم التحكيم

 

     إذا كان تحديد معنى الحكم مسألة من مسائل التكييف ، فإن محاولة تحديد معنى حكم التحكيم ليست بالأمر الهين ، لأنه يجب من البداية وكمسألة أولية أن نحدد ما إذا كان اتفاق الأطراف على إحالة النزاع على شخص ثالث هو من قبيل  الاتفاق على التحكيم ، أم أنه من قبيل الخبرة أو الوساطة ، فيجب على القاضي أن يأخذ في الاعتبار كمسألة أوليه عند القيام بتكيف العمل الصادر من ذلك الشخص الثالث تحديد ما إذا كان صادر منه بصفته محكم أم بصفته خبير أو وسيط بين الطرفين ، ويكون ذلك بتحديد طبيعة المهمة الموكلة إليه ، ويقوم القاضي بتحديد ذلك بما له من سلطة تقديرية ، فيجب استبعاد تكييف القرار بأنه قرار محكم عندما يبدو أن حل النزاع لم يكن بسبب عمل حاسم صادر من ذلك المحكم(1).

      فإذا انتهينا بأن اتفاق بإحالة النزاع على شخص ثالث هو اتفاق على التحكيم  فيجب أن نحدد بعد ذلك ما إذا كان العمل الصادر من المحكم هو عمل قضائي من عدمه لتحديد ما إذا كان القرار الصادر منه هو حكم تحكيم أم لا ، وذلك لأن   الوظيفة القضائية الممنوحة للمحكم بناء على اتفاق التحكيم ، تجعل عمل المحكم يكتنفه العديد من الفروض ، ففي إحدى القضايا حرر المحكم رأيه موضحاً وجهة نظرة في الحل المقرر للنزاع ، فقالت محكمة استئناف باريس أن مثل هذا الرأي ليس بعمل قضائي (2) .

    وبذلك يتضح أن محاولة تعريف حكم التحكيم ليست بالأمر الهين ، بدلالة أن القانونيين الذي وضعوا القانون النموذجي للتحكيم الدولي ( اليونسترال ) حاولوا أن يضعوا تعريفاً للحكم التحكيمي ولكنهم تراجعوا عن ذلك ، وكان النص المقترح لتعريف الحكم التحكيمي هو أن كلمة حكم تحكيمي يجب أن تفهم على أنها حكم نهائي يفصل في كل المواضيع المطروحة على المحكمة التحكيمية (3) .

     ولكن اتفاقية نيويورك لتنفيذ أحكام المحكمين الأجنبية حددت المقصود بأحكام المحكمين بقولها في المادة الأولي فقرة (2) أنه يقصد بأحكام المحكمين ليس الأحكام الصادرة عن محكمين معينين للفصل في حالات محددة بل أيضاً الأحكام الصادرة عن هيئات تحكيم دائمة يحتكم إليها الأطراف ، ويلاحظ على هذا التعريف أنه تعريف عام شامل لأنه قد يصدر عن المحكمين أحكام تمهيدية أو جزئية ليست فاصلة للنزاع ومع ذلك تعد أحكام تحكمية وفقاً لهذه التعريف .

     وعلي ذلك يمكن تحديد المقصود بحكم التحكيم القابل للتنفيذ دولياً بأنه هو حكم التحكيم الملزم المنهي للخصومة ، أي الحكم الفاصل في موضوع النزاع المنهي للخصومة (4) ، سواء كان صادراً بإجابة المدعي إلى طلباته كلها أو بعضها أو برفضها جميعاً  .

 

 

الفرع الثاني

الصفة الأجنبية لحكم التحكيم

 

      بعد أن انتهينا من تحديد معني حكم التحكيم ، يجب علينا بيان الصفة الأجنبية لحكم التحكيم ، لأن لتحديد الصفة الأجنبية لحكم التحكيم أهمية بالغة حيث يترتب على التمييز بين حكم التحكيم الأجنبي وحكم التحكيم الوطني اختلاف في القواعد القانونية المطبقة على كل منهما ، فالتحكيم الوطني يستتبع تطبيق القانون الوطني ، بخلاف الحال لو أشتمل التحكيم على عنصر أجنبي أو أكثر ، فنكون أمام احتمال تطبيق قانون أو قوانين أجنبية .

      كما يترتب على التمييز بين حكم التحكيم الأجنبي وحكم التحكيم الوطني أهمية خاصة فيما يتعلق بتحديد قواعد الاختصاص الدولي للمحاكم بنظر طلب الأمر بالتنفيذ أو استئناف حكم التحكيم أو رفع دعوى ببطلانه ، كذلك تبرز فكرة النظام العام عندما يتعارض حكم التحكيم مع النظام العام في الدولة المطلوب إليها التنفيذ ، ففكرة النظام العام في التحكيم الأجنبي تضيق عن فكرة النظام العام في التحكيم الوطني ، كما تبدو أهمية معرفة صفة التحكيم وانتماءه لدولة معينة لتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل أو التبادل .

ومن هنا يثور التساؤل على أي أساس يمكن التمييز بين حكم التحكيم الوطني وحكم التحكيم الأجنبي ؟

للإجابة على هذا التساؤل يوجد عدة معايير لتمييز حكم التحكيم الأجنبي عن حكم التحكيم الوطني أشهرها معيار مكان صدور الحكم ويطلق عليه المعيار الجغرافي والمعيار الإجرائي ويطلق علية المعيار القانوني ، ولكن قبل الاسترسال في بيان هذين المعيارين ينبغي أن ننوه إلى أن جنسية المحكم ، أو جنسية أطراف التحكيم ليس لهما أي اعتبار في تحديد الصفة الأجنبية أو الوطنية لحكم التحكيم ، لأن مناط التمييز يتركز حول الربط بين مسألة انتماء التحكيم وإجراءاته لعنصر معين سواء كان هذا العنصر جغرافي أو قانوني .

1-                المعيار الجغرافي :

ومؤدي هذا المعيار أن حكم المحكمين يأخذ جنسية المكان الذي صدر فيه (5) فالعبرة في ثبوت الصفة الأجنبية لحكم المحكمين هي بضرورة صدوره في بلد أجنبي ، بغض النظر عن البلد الذي عقدت فيه مشارطه التحكيم ، وبغض النظر عن جنسية الخصوم أوالمحكمين (6) ، وفي حالة تعدد الدول التي يعقد فيها التحكيم ، فيعتد بالدولة التي أنعقد فيها التحكيم بصفة رئيسية وصدر فيها حكم التحكيم ، وذلك لأن الحكم يحمل اسم سلطة الدولة التي صدر فيها ، فالمحكمين يتولون القضاء عن طريق التفويض الذي يصدر لهم من سلطة الدولة على إقليمها (7) ، كما أن المحكمين لا يجلسون للحكم عادة إلا في دولة تربطها بالنزاع موضوع التحكيم صلة وثيقة (8) .

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ، هل يجوز لقاضي الدولة الذي يتولى تكييف حكم التحكيم أن يحدد جنسية الحكم بدولة معينة لمجرد صدوره فيها ، أم يكتفي بإسباغ الصفة الأجنبية عليه ؟

يري البعض عدم إمكانية قيام قاضي الدولة الذي يتولى تكييف حكم التحكيم بإسباغ جنسية دولة أخري على الحكم التحكيمى لمجرد صدوره في فيها ، وأن كل ما يملكه هو أن يقرر ما إذا كان  يعتد بمعيار محل صدور الحكم وصولاً إلى أجنبية الحكم الصادر في أي من الدول الأخرى ، فله أن تحدد صفة الحكم ( وطنياً أم أجنبياً ) ولكن لا تملك تحديد جنسيته (9) .

      والظاهر أن أغلب القوانين لم تتعرض صراحة لمسألة جنسية حكم التحكيم وإن كان يفهم من بعض القوانين اعتبار حكم التحكيم الصادر في بلد أجنبي حكم تحكيم أجنبي ، كما هو الحال في القانون المصري ، حيث نصت المادة 299 مرافعات على أن ( تسري أحكام المواد السابقة " أي المتعلقة بتنفيذ الأحكام الأجنبية" على أحكام المحكمين الصادرة في بلد أجنبي ) ، لذلك يصعب التسليم بالرأي السابق لأن تحديد جنسية حكم التحكيم تكون ضرورية لتطبيق مبدأ التبادل أي المعاملة بالمثل ، أو لإعمال أحكام اتفاقية ما خاصة بتنفيذ أحكام المحكمين .

     وتأخذ معظم الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالتحكيم بمعيار مكان صدور الحكم لتحديد الصفة الأجنبية لحكم التحكيم ، فأهم اتفاقية دولية لتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية ، وهي اتفاقية نيويورك لعام 1958م ، قد نصت في مادتها الأولي على أن ( تطبق الاتفاقية الحالية للاعتراف وتنفيذ أحكام المحكمين الصادرة في إقليم دولة غير التي يطلب إليها الاعتراف وتنفيذ هذه الأحكام على إقليمها ) .

     ويتميز معيار مكان صدور حكم التحكيم بالوضوح وسهولة الوصول إليه إلا أنه لا يخلوا من النقد ، حيث لا يكفي وحدة لتحديد جنسية حكم التحكيم ، لأنه قد تكون الصدفة وحدها وراء اجتماع المحكمين في دولة معينة للنطق بالحكم وتوقيعه كذلك لا توجد فائدة للأخذ بهذا المعيار في حالة عدم تقابل المحكمين البتة ، وذلك إذا ما تم تبادل وجهات النظر عن طريق المراسلة وهو أمر ممكن عملاً (10) ، كما أن معيار مكان صدور حكم التحكيم كما يقول القضاء الفرنسي قد يكون له أهمية هامشية بالنسبة لإجراءات التحكيم في جملتها (11) .

     والواقع أنه يصعب علينا التسليم بهذا المعيار بالجملة لأنه بالإضافة إلى أوجه النقد السابقة ، نجد أن هذا المعيار يفترض تطابق القواعد القانونية في الدول وهذا من الصعب أن يحدث ، لأنه على سبيل المثال في فرنسا يكون حكم التحكيم الذي يصدر فيها أجنبياً ، في حالة تطبيق المحكمين قانوناً أجنبياً غير القانون الفرنسي حيث أصدرت محكمة باريس في 5/7/1955م حكماً قالت فيه ( أن حكم التحكيم الصادر في تحكيم أجرى في فرنسا هو حكماً أجنبياً لأنه صادر وفقاً لأحكام القانون الإنجليزي ) ، وفي ألمانيا يعتبر حكم التحكيم وطنياً ولو صدر في الخارج إذا ما خضع لقانونها الإجرائي (12) .

     كما أن هذا المعيار يعد قياساً على معيار أجنبية الأحكام القضائية ، وهو قياس مع الفارق لأنه كما سبق وأن أوضحنا في المطلب السابق أن التحكيم ذو طبيعة خاصة ، وبالتالي لا تصلح المعايير التقليدية لأن تصوغ الأحكام الخاصة به  كما أن معيار مكان صدور الحكم القضائي منتقد بإمكانية صدور أحكام قضائية في الخارج ومع ذلك تعد أحكام وطنية كما هو الحال في أحكام المحاكم القنصلية وأحكام محاكم البلاد الواقعة تحت الاحتلال الحربي ، وبالإضافة إلى ذلك كله فإن اتفاقية نيويورك لتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية لم تكتف بالأخذ بهذا المعيار بمفردة وأخذت بمعيار أخر بجانبه وهو كون أحكام التحكيم أجنبية وفقاً لقانون الدولة المطلوب فيها الاعتراف بحكم التحكيم وتنفيذه ، حيث نصت في مادتها الأولى على ذلك بالقول ( … وكذلك على أحكام التحكيم المعتبرة غير وطنية في دولة التنفيذ ) ، ولكن ليس معني ما أثرناه بقولنا هذا أننا نرفض الأخذ بهذا المعيار ، بل على العكس نوافق عليه ، ونؤيد العمل به ، كل ما في الأمر أن هذا المعيار ليس في رأينا هو المعيار الوحيد لتحديد الصفة الأجنبية لحكم التحكيم بحيث يكون جامعاً مانعاً من الأخذ بأي معيار أخر لتحديد الصفة الأجنبية للحكم .

 

2-                المعيار الإجرائي ( المعيار القانوني ) :

ومؤدي هذا المعيار اكتساب حكم التحكيم جنسية الدولة التي تم تطبيق قانونها الإجرائي على التحكيم (13) .

ووفقاً لهذا المعيار يكون حكم التحكيم أجنبياً إذا تم داخل إقليم الدولة نظراً لخضوعه إجرائياً لقانون دولة أخرى ، ويكون حكم التحكيم وطنياً رغم صدوره في الخارج إذا تم وفقاً للقانون الوطني (14) .

ويمكن للأفراد من خلال هذا المعيار التحكم في الصفة الأجنبية أو الوطنية لحكم التحكيم بطريقه غير مباشرة من خلال اختيار مكان إجراء التحكيم ، لأنه سيتم في هذه الحالة تطبيق القانون الإجرائي الخاص بهذا المكان على إجراءات التحكيم .

      ويتميز المعيار الإجرائي بكونه أكثر تماسكاً من المعيار الجغرافي ، لأنه معيار قانوني لا يخضع لتغيرات المكان ويضرب بعض الشراح الغربيين مثالاً لذلك بالقول أنه إذا ذهب المحكم الإيطالي مثلاً بعد انتهاء التحكيم في إجازة إلى يوجوسلافيا ، وأخذ معه ملف القضية وكتب الحكم ووقعه هناك ، فلن يكون هذا الحكم يوجوسلافياً بفضل هذا المعيار الإجرائي (15) .

      كما أن المعيار الإجرائي يتمشى مع التكييف الغالب للتحكيم على أنه ذو طابع قضائي أو ذو طابع خاص أقرب للقضاء (16) ، وأستخلص بعض الشراح تأييد اتفاقية نيويورك للمعيار الإجرائي وذلك عندما تتحدث الاتفاقية عن تعريف الأحكام الأجنبية فهي بالدرجة الأولي تلك الأحكام الصادرة في دولة غير التي يراد الاعتراف بالحكم وتنفيذه فيها بالإضافة إلى ذلك تسري الاتفاقية أيضاً على الأحكام الصادرة في نفس الدولة المطلوب فيها التنفيذ إذا اعتبرتها هذه الدولة مع ذلك أجنبية ، ويكون ذلك نتيجة أن التحكيم خضع لقانون إجرائي مختلف عن قانون الدولة المطلوب فيها الاعتراف بالحكم وتنفيذه ، وذلك لإحداث توفيق لا بد منه بين متطلبات بعض الدول للاعتراف بالمعيار الإجرائي وبين اعتراضات الدول الأخرى (17) .

ويؤخذ على هذا المعيار عدم مراعاته للجانب الإرادي في التحكيم ، لأن إرادة الأطراف تسري في أوصال العملية التحكمية ولا تنفصل عنها (18).

     ويتضح لنا أن الأخذ بهذا المعيار لتحديد الصفة الأجنبية لحكم التحكيم ومن ثم جنسية حكم التحكيم يتفق مع الطبيعة الخاصة بالتحكيم كنظام لحسم المنازعات لأنه لا شك أن المعيار الجغرافي قد يبدو غير منطقي في بعض الأحوال ، حينما يجعل جنسية حكم التحكيم متوقفة على مكان صدوره حتى وإن كان هذا المكان يقل كثيراً في أهميته مقارنة بالعناصر الأخرى الداخلة في عملية التحكيم .

     وفى النهاية يمكن لنا القول أنه لا يوجد قاعدة موحدة على مستوى دول العالم لاعتبار حكم تحكيم ما أجنبياً من عدمه ، فكل قاضي يراد منه الاعتراف بحكم تحكيم ما ، هو الذي يتولى تقدير كون ذلك الحكم أجنبياً من عدمه وهو يجري هذا التقدير وفقاً لقانونه الداخلي ووفقاً للاتفاقيات المنضمة إليها دولته ، وإنما عنينا بالإشارة إلى المعيارين السابقين بوصفهما الأكثر شيوعاً بين الدول ، فقد تأخذ دولة ما بأحدهما أو بهما معاً أو بضوابط معينة منصوص عليها في قانونها الداخلي ، وهذا ما راعاه واضعوا نصوص معاهدة نيويورك حينما نصوا على أن حكم التحكيم يكون أجنبياً متي كان صادراً في دولة ما ويراد تنفيذه في دولة أخري وأن ذلك لا يمنع من أن تعتبر دولة ما حكم تحكيم أجنبياً متي كان قانونها الداخلي يقرر ذلك وفقاً لضوابط معينة مثل موضوع النزاع ، وجنسية ومحل إقامة أطرافه وجنسية المحكمين ومكان التحكيم ، والقانون المطبق لحسم النزاع ، ومكان توقيع العقد أو تنفيذه .

ويجب أن نلاحظ أن التطور القانوني السريع في مجال التحكيم قد أفرز عن وجود ما يسمي بالتحكيم الدولي بجانب التحكيم الوطني والتحكيم الأجنبي وهو التحكيم الذي ينتمي لأكثر من دولة بأكثر من عنصر من عناصره ويصعب تحديد انتماءه لدولة معينة دون الدولة الأخرى (19) ، وقد نص على هذا النوع من التحكيم قانون التحكيم المصري الجديد رقم 27 لسنة 1994م في المادة الثالثة منه ، وقانون التحكيم الدولي اللبناني سنة 1983م في المادة (809) فقرة(20) ، وقانون التحكيم اليمني سنة 1992م ، وقانون التحكيم التونسي سنة 1993م  وقانون التحكيم الجزائري سنة 1993م ، وقانون التحكيم البحريني سنة 1994م  وقانون التحكيم العماني سنة 1997م ، وقانون التحكيم السويسري سنة 1987م  وقانون التحكيم البلجيكي سنة 1985م .

     أما على مستوى الاتفاقيات الدولية فهو غير موجود إلا في نطاق اتفاقية واشنطن لتسوية منازعات الاستثمار بين الدول ورعايا الدول الأخرى عام 1956م فالمراكز الإقليمية للتحكيم لم يتمخض عنها وجود تحكيم دولي يتمتع بنفاذ دولي مباشر حتى على النطاق الإقليمي الذي تمارس فيه هذه المراكز نشاطها ، فالأحكام الصادرة في نطاق هذه المراكز يجري بحث وطنيتها وأجنبيتها حسب محل صدورها أو حسب أحد المعايير الأخرى التي تأخذ بها دولة التنفيذ المعنية (21) .

   والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل هناك فرق بين حكم التحكيم الدولي وحكم التحكيم الأجنبي ؟ 

للإجابة على هذا التساؤل نقول : يري البعض عدم وجود فرق بين حكم التحكيم الأجنبي وحكم التحكيم الدولي ، ويجمع بينهما تحت اسم واحد هو حكم التحكيم الدولي وأن كل تحكيم غير وطني هو دولي لأن أي حكم تحكيم أجنبي بالنسبة لدولة ما يعد وطنياً بالنسبة لدولة أخري ، ومن ثم فإن اتصال التحكيم بأكثر من نظام قانوني يجعله تحكيم دولي ، ولأن التفرقة بين التحكيم الأجنبي والتحكيم الدولي تؤدي إلى الخلط بين التحكيم الذي يتم بين أفراد أو هيئات خاصة والتحكيم الذي يمكن أن يقع بين الدول (22) .

     ويري البعض الأخر أنه لا بد من التمييز بين حكم التحكيم الأجنبي وحكم التحكيم الدولي خصوصاً بعد قيام بعض القوانين بالنص عليه ووضع معايير لتحديده ، إذ يكون على القاضي الذي ينظر طلب تنفيذ حكم تحكيم أن يكيفه بين فروض ثلاثة هي أن يكون حكم التحكيم وطني ، أو أن يكون حكم التحكيم أجنبي  أو أن يكون حكم التحكيم دولي (23) .

    والواقع أنه بمراجعة حالات دولية التحكيم المنصوص عليها في القوانين المختلفة ومنها القانون المصري في المادة (24) من قانون التحكيم في المواد المدنية والتجارية رقم 27 لسنة 1994م ، والقانون النموذجي للتحكيم التجاري الدولي الذي وضعته لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولية ( الانسيترال ) ، يتضح لنا أن كل تحكيم أجنبي هو تحكيم دولي ولكن ليس كل تحكيم دولي هو تحكيم أجنبي  لأن التحكيم يمكن أن يقع على إقليم دولة محددة ومع ذلك يكتسب الصفة الدولية الأمر الذي يجعل للرأي الثاني وجاهة وثقلاً ، كما أن هناك فروق تترتب على اكتساب حكم التحكيم لوصف الأجنبية أو الدولية تثار بمناسبة تحديد مدى سلطة القاضي الوطني عند التعرض لحكم تحكيم أجنبي أو دولي من حيث التعرض لصحتها أو بطلانها وإصدار الأمر بتنفيذها أو رفضه ، فمثلاً القواعد المتعلقة بحكم التحكيم في ذاته من حيث شروط صحته وضوابط إصدار الأمر بتنفيذه تخضع لقانون الدولة التي تم إجراء التحكيم على إقليمها سواء كان التحكيم وطنياً أم دولياً ، أما إذا كان التحكيم يجري في الخارج  فإنه لا يخضع لهذا القانون إلا إذا أتفق أطرافه على ذلك (25) .

وقبل أن أختم هذا الفرع أود أن أشير كذلك أنه في بداية الخمسينيات من هذا القرن أوجد الفكر القانوني وعلى الأخص في فرنسا وألمانيا وسويسرا نوع من أنواع أحكام التحكيم تسمي الأحكام الطليقة أو اللامنتمية ، وهو الحكم الذي لا يقع في نطاق أي قانون تحكيم وطني بواسطة اتفاق الأطراف (26) ، والاختلاف الأساسي بينه وبين حكم التحكيم الدولي ، أن الأخير يتصل بأكثر من نظام قانوني وطني في حين أن الأول لا يتصل بأي نظام قانوني وطني ، وفى واقع الأمر أنه إذا كان هذا النوع من الأحكام قد نشأ كطفرة وجدت في مجال عقود التجارة الدولية عند محاولة عزل العقد عن أي نظام قانوني وتطبيق ما يسمي بأعراف وعادات التجارة ، إلا أن هناك تردد كبير في الاعتراف بوجوده في الواقع ، فهو يلقي معارضة شديدة من قبل القضاء والشراح ، لأنه لابد لأي علاقة أن تستند إلى قانون ما ، وبالتالي فإن أي تحكيم لا بد وأن يرتبط بنظام قانوني معين (27) سواء وطني أو أجنبي أو دولي (28) .

 

([1][1]) محمد نور عبد الهادي شحاته ، الرقابة على أعمال المحكمين " موضوعها وصورها – دراسة مقارنة " ، ( القاهرة : دار النهضة العربية ، 1993م ) ، 28 . 

(2) المرجع السابق ، 29 . 

(3) عبد الحميد الأحدب ، موسوعة التحكيم ، التحكيم الدولي ( القاهرة : دار المعارف ، 1998م ) ، 302 . 

(4) وقد وضعت محكمة استئناف باريس تعريفاً لحكم التحكيم  في حكمها الصادر في 25/3/1994م في قضية SARDISUD

    بقولها أعمال المحكمين التي تفصل بطريقة نهائية في كل أو في جزء من النزاع المعروض عليهم سواء في أساس النزاع ، أو في

    الاختصاص ، أو في إجراءات المحاكمة ، وتفضي لوضع حد نهائي للدعوى . منشور في المرجع السابق ، 302 .

(5) وقد وضعت محكمة استئناف باريس تعريفاً لحكم التحكيم  في حكمها الصادر في 25/3/1994م في قضية SARDISUD

    بقولها أعمال المحكمين التي تفصل بطريقة نهائية في كل أو في جزء من النزاع المعروض عليهم سواء في أساس النزاع ، أو في

    الاختصاص ، أو في إجراءات المحاكمة ، وتفضي لوضع حد نهائي للدعوى . منشور في المرجع السابق ، 302 .

(6) عزت محمد علي البحيري ، المرجع السابق ، 54 . 

(7) محمد كمال فهمي ، المرجع السابق ، 689 . 

(8) عز الدين عبد الله ، تنازع القوانين في مسائل التحكيم الدولي في مواد القانون الخاص ، مجلة مصر المعاصرة ، س69 ، ع371 ،

    14 .

(9) إبراهيم أحمد إبراهيم ، تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية ، المجلة المصرية للقانون الدولي ، ع37 لسنة 1981م ، 6 . 

(10) عصام الدين القصبى ، النفاذ الدولي لأحكام التحكيم الدولية ( القاهرة : دار النهضة العربية ، 1993م ) ، 36 . 

(11) أبو زيد رضوان ، الأسس العامة للتحكيم التجاري الدولي ( القاهرة : دار الفكر العربي ، 1981م ) ، 61 .

    عبد الحميد الأحدب ، موسوعة التحكيم ، التحكيم الدولي ، ج2 ( القاهرة ، دار المعارف ، 1998م ) ، 18 .

    عصام الدين القصبي ، المرجع السابق ، 28 .

(12) عزت محمد علي البحيري ، المرجع السابق ، 57 . 

(13) أبو زيد رضوان ، المرجع السابق ، 61 . 

(14) عزت محمد على البحيري ، المرجع السابق ، 60 . 

 (15) وترجع أصول هذا المعيار إلى العمل القضائي الإنجليزي ، ففي إنجلترا وقبل عام 1979 ،كان للمحكمة العليا أن تجبر المحكم على  تحديد موضوع قانوني معين تحت ما كان يسمى بإجراء الحالة الخاصة ، ففي قضية تتلخص وقائعها أن شركة إنجليزية تعاقدت مع   شركة إنشاء اسكتلندية للقيام بإنشاء مبني في اسكتلندا ، واتفقا على أن يكون تفسير العقد خاضعاً للقانون الإنجليزي ، وكانت     اسكتلندا مقراً للتحكيم ، وبعد تمام الإجراءات من سماع الشهود وتقديم البيانات ن طلبت الشركة الإنجليزية من المحكم أن يعرض     القضية على المحكمة العليا ، ولكن المحكم رفض هذا الطلب ، حيث كان القانون الاسكتلندي الفيصل النهائي لحسم مسائل القانون

 والواقع ، وقد أقر مجلس اللوردات هذا الرفض  . المرجع السابق ، 60 . 

(16) المرجع السابق ، 62 . 

(17) عصام الدين القصبى ، المرجع السابق ، 29 . 

(18) عزت محمد علي البحيري ، المرجع السابق ، 63 . 

(19) المرجع السابق ، 63 . 

(20) إبراهيم أحمد إبراهيم  ، تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية ، مرجع سابق ، 7 .

(21) سامية راشد ، التحكيم في إطار المركز الإقليمي بالقاهرة ومدى خضوعه للقانون المصري ( الإسكندرية : منشأة المعارف ،

     1986م ) ، 157 . 

(22) إبراهيم أحمد إبراهيم ، تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية  ، المجلة المصرية للقانون الدولي ، مرجع السابق ،7 -8 .   

(23) عزت البحيري ، المرجع السابق ، 73 . 

(24) أحمد شرف الدين ، سلطة القاضي المصري إزاء أحكام التحكيم ، ط2 ، ( القاهرة : النسر الذهبي للطباعة ، 1997م ) ، 37 وما بعدها .  

(25 المرجع السابق ، 96 . 

(26) ففي القضية المعروفة بـSEEE V. YGOSLAVIA رفضت المحكمة الهولندية العليا تنفيذ الحكم الصادر فيها ، وقالت أنه لا

    يشكل حكم تحكيمي بالمعني الحقيقي ، حيث أنه قد صدر من محكمين أثنين على الرغم من أن قانون المرافعات الخاص بمقاطعة

    CONTON VAUD السويسرية التي كان يجري التحكيم وفقاً له يتطلب عدداً وتراً في المحكمين ، كما أنه لا يعد حكم تحكيم

    وفقاً لاتفاقية نيويورك على الرغم من أن المادة 5/1/د تتيح للأفراد الحرية في تشكيل هيئة التحكيم وإجراءات التحكيم ، لأن حكم

    التحكيم وفقاً لذات المادة فقره (هـ) يتطلب أن يكون محكوماً بقانون معين ، وقد بذلت محاولات كثيرة في دول عدة لتنفيذ هذا

    الحكم ولكن لم يكتب لها النجاح . منشور في المرجع السابق ، 104 .

(27) ويبدو من المناقشات الموسعة التي جرت بخصوص هذه الفكرة في مؤتمر الأمم المتحدة الذي تمخض عن اتفاقية نيويورك لعام     1958م ، أن معظم الدول لم تشأ أن تخاطر بالأخذ بهذه الفكرة ( الحكم الطليق ) لأن ذلك قد يؤدي إلى المساس بالعدالة وإساءة     استعمال حرية الأطراف في مجال التحكيم  .